عبد الملك الجويني
217
نهاية المطلب في دراية المذهب
يختار الحكم بوقوع الطلاق ، إذا قال : أنت طالق إلا أن يشاء الله . ولستُ أنكر أن الفطِن الفقيهَ النفس قد يبتدر إلى هذا الجواب ، ولكن لو تثبّت ، وغضّ نَزَقَات ( 1 ) القريحة ، ولم يُتْبع نظرَه بوادر مُضطرب النفس ، وكان بصيراً بمعنى اللفظ ، لتبيّن أن الوجه القطعُ بأن الطلاق لا يقع ؛ وذلك أنه قال : إلا أن يشاء الله ، فمعناه إلا أن يشاء الله أن لا يقع ، فلا يقع ، ومشيئةُ الله في تعلقه وعدم تعلّقه بالنفي والإثبات غَيبٌ ، وقد أوضحنا بالمقدمات أن النفي في هذه الصّيغة متعلق بالطلاق ، وليس الطلاق منجَّزاً ، فهذا طلاق معلّق بنفي هو في حقنا غيبٌ ، والأصل استمرار النكاح ، وعدمُ وقوع الطلاق . ثم قال قائلون من أصحابنا : إذا مات زيد ، وكان قال الزوج : أنت طالق إلا أن يشاء زيد ، ولم ندر أشاء أم لم يشأ ، فالطلاق واقع . ولو قال : أنت طالق إلا أن يشاء الله ، فمشيئة الله غيب ، ولا نحكم بوقوع الطلاق . ثم أخذ يفرق ويقول : المشيئة صفةٌ طارئة على زيدٍ ، فالأصل عدمها ، ومشيئة الله صفته الأزلية ، فلا يقال : الأصل عدمها . وهذا كلام أخرق لا بصيرة معه ؛ فإن الطلاق ليس معلّقاً بنفس المشيئة ، وإنما تعلُّقه بعدم مشيئة عدَمِ الطلاق ، ومشيئة الله تتعلق ولا تتعلق ، فعدم التعلق فيها متعلَّق طلاق الرجل ، فما معنى قول القائل : الأصل ثبوت مشيئة الإله ؟ ومن ألف كلامَنا وغشيَ أطراف مجلسنا ، استهان بمثل هذا الكلام ؛ فلا فرق إذاً بين أن يموت زيد ويستبهم علينا مشيئته ، وبين أن يقع التعليق بمشيئةٍ أزليةٍ تعلُّقها غيب مستبهَمٌ علينا ، فلا يقع الطلاق في الوجهين . 9173 - وقد انتجز تمام الغرض ، على تبرّم منا بالإطناب فيه ، فإنه واضح ، ومن أنعم النظر في مقدّماته ، لم يخْفَ عليه دَرْكُ المقصود من آخره . وإنما إشكال الفصل في أن يقول القائلُ : إذا أشكل أمر زيدٍ يقع الطلاق ، وإذا قال : إلا أن يشاء الله لا يقع ، وهذا أمرٌ لا ينفصل أبداً .
--> ( 1 ) نزقات : من النزق : وهو الخفة والطيش . ( المعجم والمصباح ) .